هل تنقذ حكمة السعودية الخليج من مصير مجهول؟

في محاولة لاحتواء أخطر أزمة أمنية تواجه المنطقة منذ عقود

0
تشارك
147
مشاهدة
Share on Facebook Share on Twitter

تحليل(CSRGULF)  7 مارس 2026: في لحظة إقليمية مشتعلة، حيث تتساقط الصواريخ وتُستهدف القواعد العسكرية في الخليج، ويقف الشرق الأوسط على حافة مواجهة كبرى بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، اختارت السعودية طريقا مختلفا: الهدوء الاستراتيجي بدل الانجرار إلى الحرب. بحسب تقارير دولية، السعودية تكثف جهودها الدبلوماسية مع طهران لضمان احتواء الحرب في الشرق الأوسط ومنع تفاقم الصراع الإقليمي بمبرر أن الكل خاسر في أي حرب شاملة وأن الحرب المندلعة لا تخص دول الخليج أصلاً.

ففي حين تتصاعد الضربات المتبادلة وتتسع دائرة الخطر على أمن الخليج، تراهن الرياض على الدبلوماسية والردع الدفاعي وإعادة ترتيب منظومة الأمن الخليجي، في محاولة لاحتواء أخطر أزمة أمنية تواجه المنطقة منذ عقود.

في خضم الحرب التي تفجرت إثر الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران، وما تبعها من ردود إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت قواعد عسكرية ومصالح مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، دخل الخليج مرحلة من التوتر الأمني غير المسبوق. فالمسرح الجغرافي للصراع، وإن كان يتمركز ظاهريا بين طهران وتل أبيب وواشنطن، إلا أن ارتداداته الاستراتيجية امتدت مباشرة إلى دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية وتعد محورا أساسيا في شبكة الطاقة والتجارة العالمية.

في هذا السياق، تشير تقديرات مراكز دراسات إقليمية ودولية، من بينها تحليلات صادرة عن مراكز بحثية مختصة بالأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، إلى أن دول الخليج أصبحت في قلب معادلة الردع المتبادل، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهو ما جعلها عرضة لتداعيات مباشرة للهجمات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية ومواقع لوجستية في المنطقة. وقد أثارت هذه التطورات مخاوف حقيقية بشأن تصدع منظومة الأمن الخليجي واحتمال تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وسط هذا المشهد المضطرب، برز الموقف السعودي بوصفه أحد أكثر المواقف توازنا وحذرا في إدارة الأزمة. فالمملكة، التي تُعد القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية الأكبر في الخليج، وجدت نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: حماية أمنها وأمن دول الخليج من جهة، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة من جهة أخرى.

ووفق تقديرات العديد من المحللين، فإن إسرائيل سعت خلال التصعيد إلى توسيع نطاق المواجهة مع إيران عبر جرّ دول الخليج إلى الصراع، بما يؤدي إلى نقل جزء من كلفة الحرب إلى المنطقة الخليجية ويمنح تل أبيب غطاءً إقليميا أوسع في مواجهتها مع طهران. غير أن السعودية، بحسب تلك التحليلات، لم تنجر إلى هذا المسار، بل تبنت سياسة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: ضبط النفس، الدفاع الوقائي، والتحرك الدبلوماسي المكثف.

ففي الوقت الذي تعرضت فيه المنطقة لسلسلة من الهجمات الصاروخية والمسيّرة المرتبطة بالتصعيد الإيراني، اختارت الرياض عدم الانخراط في ردود عسكرية تصعيدية، حتى في الحالات التي شكلت فيها الهجمات تهديدًا مباشرا للأمن الإقليمي. وبدلًا من ذلك، ركزت المملكة على تعزيز قدراتها الدفاعية وتفعيل منظومات الإنذار والحماية الجوية، مع توجيه رسائل سياسية واضحة تؤكد رفض تحويل الخليج إلى ساحة حرب.

هذا النهج يعكس ما يسميه باحثون في دراسات الأمن الإقليمي "فلسفة الردع الهادئ" التي تعتمدها السعودية في إدارة الأزمات. فالمملكة تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة بين دول الخليج وإيران قد تؤدي إلى تفجير شامل لمنظومة الأمن الإقليمي، خصوصا في ظل هشاشة التوازنات العسكرية وارتباط المنطقة بممرات الطاقة العالمية الحيوية.

ومن هذا المنطلق، تحركت السعودية على مسارين متوازيين. الأول تمثل في تعزيز التنسيق الخليجي، حيث عملت الرياض على دعم دول الخليج المتضررة من تداعيات التصعيد، وإعادة طرح فكرة بناء منظومة أمنية خليجية أكثر تماسكًا. وتشير تقارير بحثية إلى أن المملكة تسعى في هذا السياق إلى إعادة إحياء مفهوم الأمن الجماعي الخليجي عبر تفعيل أطر التعاون الدفاعي، وفي مقدمتها مشروع "درع الجزيرة"، الذي يُعد الإطار العسكري المشترك لدول مجلس التعاون.

أما المسار الثاني فكان المسار الدبلوماسي، حيث كثفت السعودية اتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بما في ذلك إيران، في محاولة لخفض مستويات التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة. ويأتي هذا التحرك في امتداد لسياسة الانفتاح الإقليمي التي تبنتها الرياض خلال السنوات الأخيرة، والتي توجت سابقا بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع طهران.

وتشير تحليلات مراكز بحثية مختصة في شؤون الخليج إلى أن استمرار قنوات التواصل بين السعودية وإيران خلال الأزمة الحالية يمثل عامل توازن مهما في منع تحول الصراع إلى مواجهة شاملة في الخليج. فوجود قناة اتصال سياسية بين الطرفين يتيح إمكانية احتواء التصعيد وتفادي سوء التقدير العسكري الذي قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع.

وفي الوقت ذاته، حافظت السعودية على موقف واضح وحاسم بادانة الاعتداء الإيراني السافر الذي يهدد استقرار المنطقة، مؤكدة حقها وحق دول الخليج في الرد والدفاع عن أمنها وسيادتها، لكنها سياساتها ألمحت في المقابل على أن الحلول العسكرية لن تقود إلا إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

وتعكس هذه المقاربة السعودية إدراكا عميقا لتعقيدات المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فالحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي صراع متعدد المستويات يمتد من المجال العسكري إلى الاقتصادي والسيبراني والسياسي. وفي مثل هذه البيئة المعقدة، يصبح الانجرار إلى المواجهة المباشرة مغامرة قد تعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي بالكامل.

لذلك تسعى الرياض، وفق ما تشير إليه تقديرات العديد من مراكز الدراسات، إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن الخليجي بحيث يقوم على مزيج من الردع العسكري والتكامل الدفاعي والدبلوماسية الوقائية. ويهدف هذا التوجه إلى بناء منظومة إقليمية قادرة على احتواء الأزمات بدل أن تتحول إلى طرف مباشر فيها.

في ضوء ذلك، تبدو السعودية اليوم أمام اختبار استراتيجي حقيقي: فنجاحها في الحفاظ على تماسك الموقف الخليجي ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد يعزز موقعها كقوة إقليمية قادرة على إدارة الأزمات الكبرى. أما فشل هذه الجهود، فقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار تهدد أمن الخليج ومصالحه الحيوية.

وبين هذين الاحتمالين، يبقى السؤال المطروح في دوائر التحليل الاستراتيجي: هل تنجح حكمة السعودية في حماية الخليج من الانزلاق إلى مصير مجهول، أم أن رياح الحرب في الشرق الأوسط قد تكون أقوى من كل محاولات الاحتواء؟

 

2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF

المراحع:

 

(Visited 147 times )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث

صالح أحمد عاشور


من سيحكم إيران بعد اغتيال المرشد؟

من سيحكم إيران بعد اغتيال المرشد؟

تدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة انتقالية غير مسبوقة بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربة أميركية–إسرائيلية داخل طهران. وبينما تُفعَّل الآليات الدستورية لمنع الفراغ، ب ...

مجاعة تتهدد العرب في المستقبل بسبب نقص الغذاء

مجاعة تتهدد العرب في المستقبل بسبب نقص الغذاء

  –        100 مليون عربي قد لا يجدون طعاماً في 2030 –        الجوع محرك ثورات العرب في المستقبل –  ...

التلوث البحري تهديد متصاعد للصحة والسياحة في الكويت

التلوث البحري تهديد متصاعد للصحة والسياحة في الكويت

–        الكويتيون يواجهون خطرا بيئياً مصدره البحار –         الكويتيون قد لا يجدون شواطئ صالحة للسباحة مستقبلاً –   &nb ...

المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

الكويت، 11 أغسطس 2023 (csrgulf):تراجع النفوذ الإيراني بين الأوساط الشيعية في دول الخليج[1]. حيث واجه النظام صعوبة زيادة استقطاب موالين له ولنظرية ولاية الفقيه المطلقة. فبسبب فشل خيارات قيادة النظام في ...

مساعدات الكويت الخارجية…هل تتقلص بهدف الترشيد؟

مساعدات الكويت الخارجية…هل تتقلص بهدف الترشيد؟

الكويت بين أكثر المانحين العرب في عدم الاستفادة المباشرة من تحويل سياسة المساعدات والقروض الى فرص تعاون واستثمار مشترك تراجع حجم التعهدات الخليجية والدولية لصرف المنح والمساعدات الخارجية استفادت ب ...