مصير مجهول لفروع جماعة الإخوان المسلمين: مراقبة دولية وخسارة شعبية

بعد سريان تصنيف ترمب لبعهضا في قوائم الارهاب هل تعود للعمل في السر؟

0
تشارك
12
مشاهدة
Share on Facebook Share on Twitter

تحليل/ملخص تنفيذي:  

من العمل الخيري والجمعياتي إلى التنظيم السياسي إلى شبكة عابرة للحدود، إلى السلطة، لينتهي بها المطاف لتنصيف بعض فروعها في مرمى الادانة بالإرهاب، أو وضعها تحت المراقبة خاصة من واشنطن، أو السعي لحل كياناتها.

مصيرٌ مجهول ينتظر جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في العالم وفي الدول العربية، في ظل ضغطٍ أميركي غير مسبوق يهدف لتصنيف جلها ضمن قوائم المنظمات الإرهابية. هذا المسار بدأ بسريان قرار للرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير، يقضي بتصنيف بعض فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان رسمياً ضمن قوائم الإرهاب العالمي. غير أن هذه الخطوة لا تُعدّ سوى إجراء تمهيدي لاحتمال خطر أكبر يحدق بالجماعة، يتمثل في مساعٍ داخل الكونغرس الأميركي لدفع تشريع يهدف إلى تصنيف معظم فروع الإخوان في العالم والدول العربية، بما في ذلك المؤسسات والجمعيات التي تعمل تحت مظلتها أو المحسوبة عليها، ضمن قوائم الإرهاب.


يخلص هذا التقرير الصادر عن مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF إلى أنه في حال إقرار هذا القانون، الذي لا يزال قيد الدراسة، قد تواجه الجماعة ما يشبه الزلزال، إذ قد تكون التداعيات كارثية، وقد تشمل ملاحقات قانونية، وعقوبات تشمل كماهو متعارف عليه في العقوبات الأميركية مصادرات مالية وتجميد حسابات وتتبعات أخرى قد تطال مؤسسات وأشخاصاً.

جماعة الإخوان، التي استنكرت هذا الضغط والتصنيف الأميركي الجديد لبعض فروعها، تضيق دائرة خياراتها يوماً بعد يوم، ما يفتح الباب أمام فرضيات متعددة، من بينها إما احتمال لجوء بعض المحسوبين عليها إلى القطيعة النهائية مع فكر الجماعة والارتباط بها، أو استمرار التأييد والعمل في الخفاء، سواء عبر كواليس السياسة أو من خلال منابر العمل الجمعياتي.

غير أن ذلك لا يُخفي حقيقة أن عدداً من التيارات والأفراد المنتمين إلى فكر الإخوان قد يكونون اليوم تحت المجهر. ومن المرجّح أن تتعزز مراقبة نشاط التيارات التابعة للإخوان المسلمين بعد سريان القرار الأميركي. ومع ذلك، تختلف تحركات الحكومات العربية في إدارة ملف العمل السياسي، والحضور الجمعياتي، والأنشطة الاقتصادية للمنظمات أو الأفراد المنتمين أو المحسوبين على الإخوان المسلمين، إذ تتحرك كل دولة وفق قوانينها وسيادتها، وبشكل غير منسّق، للتعامل مع مصير الجماعة.

وعموما، تشير المعطيات إلى أن التصنيف الأميركي لم يؤثر بشكل مباشر على القرارات السيادية للدول العربية في تعاطيها مع الجماعة؛ فبعض الدول صنّفت حركات مرتبطة بها كمنظمات إرهابية، وأخرى قيّدت نشاطاتها مع ملاحقات قضائية للمخالفين للقوانين، بينما اكتفت دول أخرى بوضعها تحت المراقبة.

ويأتي ذلك في وقت تتقلص فيه شعبية الجماعة أكثر فأكثر، مع خسارتها جزءا كبيرا من أنصارها أو المتعاطفين معها على الأرض في أغلب الدول العربية، بعد أن ثبت عجزها عن الانسجام مع تحديات الواقع، وفشلها، حين وصلت إلى السلطة، في رفع تلك التحديات وتحقيق مطالب شعبية تتعلق بالتغيير وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ما زاد من عزلتها داخليا ودوليا.

وعلى الرغم من استمرار تمثيل بعض المحسوبين عليها في عدد من البرلمانات العربية، فإن حضورها يُعدّ الأضعف منذ عقود، سواء في المشهد السياسي أو على مستوى العمل الجمعياتي. إذ تتزايد حالة النفور، خصوصا لدى جيل الشباب وخاصة الجيل Z، من التيارات التي تتخذ واجهات دينية أو أيديولوجية للوصول إلى الحكم. وقد عكست ذلك انتفاضات متتالية في دول مثل إيران والعراق، إضافة إلى الفشل الكبير الذي مُنيت به بعض فروع الجماعة في انتخابات برلمانية بعدة دول، مثل بلدان المغرب العربي، حيث خرجت من المشهد السياسي بشكل شبه كامل.

وقد فقدت قطاعات واسعة من الرأي العام الثقة في شعارات هذه التيارات وخطابها، بما في ذلك ادعاءاتها بالنزاهة ودعم الديمقراطية، إذ رأى فيها كثيرون تبريرات واهية لم تقطع، في بعض الحالات، مع نزعات الغضب الدفين والتطرف التي لاحقت بعض عناصرها، ما دفع إلى إدراجها بعضها ضمن خانة التنظيمات الداعمة للتطرف والإرهاب. ومع ذلك، لا ينسحب هذا التوصيف على جميع التجارب، فلا يمكن انكار بعض النجاحات لبعض التيارات التي جددت من خطابها وفكرها وسعت لتقديم نفسها كشريك مدني ديمقراطي، يؤمن بمدنية الدولة، ويعمل بأجندة وطنية دون وصاية أو تأثير خارجي. لكن تبقى استثناءا وسط فشل أغلب التجارب.

لكن في ظل التحديات العالمية الجديدة، ولا سيما بعد جائحة فيروس كورونا التي فاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فشلت أغلب مشاريع الإصلاح التي قادتها حكومات ترأستها أو شاركت فيها شخصيات محسوبة على فكر الإخوان المسلمين، ما أدى إلى قطيعة تدريجية معها، باتت ملامحها أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة. وتعكس مؤشرات العزوف الانتخابي في عدد من الدول العربية رسالة واضحة، خصوصا من فئة الشباب، مفادها أن تطلعاتهم أصبحت أكثر براغماتية، وبعيدة عن صراعات أيديولوجية بين النخب السياسية.

 

1-     واقع دولي متحوّل ضد الجماعة

تشير المعطيات إلى أن عدداً متزايداً من الدول صنّف الإخوان المسلمين كلياً أو جزئياً تنظيماً إرهابياً، أو حظر أنشطته رسمياً، حتى قبل قيام الولايات المتحدة بذلك بسنوات، من بينها مصر، ليبيا (مجلس النواب)، الإمارات، السعودية، البحرين، جزر القمر، روسيا، باراغواي، كازاخستان، طاجيكستان، كينيا، الأردن، إضافة إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي. في المقابل، اختارت دول أخرى نهج المراقبة والاحتواء القانوني بدل الحظر الصريح.

2-     التصنيف الأميركي نقطة انعطاف مفصلية

في 24 نوفمبر 2025، أصدر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمرا تنفيذيا يوجه وزارتي الخارجية والخزانة لدراسة تصنيف فروع محددة لجماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية أجنبية وضمن قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين. وفي 13 من يناير 2026 تم إدراج الفروع المستهدفة بشكل أساسي في مصر، الأردن، ولبنان ضمن قائمة الإرهاب العالمي وهو ما استنكرته جماعة الإخوان المسلمين.

مع مراقبة تيارات إخوانية في بعض الدول العربية الأخرى. التبرير الأميركي لهذه الخطوة التي لم تسبقها إليها أي إدارة أميركية سابقة تتلخص في المشاركة في أنشطة تُهدد الاستقرار الإقليمي، دعم العنف، وتمويل شبكات مرتبطة بالإرهاب. لكن قد يكون ذلك المبرر السطحي المروج للعالم. لكن المبرر الخفي قد تكون ضغوط من إسرائيل لمحاربة كل أشكال التيارات ذات المرجعية الإسلامية والمترابطة بثقافة المقاومة.

هذه الخطوة تأتي في سياق سياسية إدارة ترمب المتشددة تجاه الجماعات الإسلامية السياسية، وتؤكد على تصعيد الضغط الدولي على حركات جماعة الإخوان. فور توقيعه من ترمب، بدأت الادارة الأميركية تطبيق الأمر التنفيذي، وبدء التحقيقات المالية، وتجميد الأصول المرتبطة بالفروع المستهدفة.

3-    التعامل الأوروبي والعربي مع جماعة الإخوان بعد التصنيف الأميركي

بالنسبة الاتحاد الأوروبي فحتى ديسمبر 2025، أظهر موقفاً متحفظاً. لم يتم اعتماد تصنيف مماثل بشكل رسمي، مع التركيز على مراقبة التمويل والنشاط السياسي فقط. أما دول الشرق الأوسط، في مقدمتها، مصر فاستقبلت الخطوة الأميركية بتأكيد موقفها الراسخ من الجماعة، حيث تصنفها مصر بالفعل منظمة إرهابية منذ 2013. الخطوة الأميركية عززت شرعية الملاحقة القضائية والإجراءات الأمنية.

بالنسبة لحكومات الأردن ولبنان تعاملتا مع التصنيف الجديد بحذر، متخذة تدابير مراقبة النشاط الإخواني دون الانخراط مباشرة في إجراءات تصنيف رسمي وفق القانون المحلي، خوفًا من إثارة التوتر الداخلي والسياسي. بدورها بعض الدول الخليجية التي سجلت صعود تيارات ذات مرجعية اخوانية في العمل السياسي تعتمد استراتيجية وسطية مع مراقبة نشاط التيارات الإخوانية مع عدم اتخاذ قرارات صارمة تتعلق بالمصالح السياسية والاقتصادية الداخلية. فيما كانت حكومات خليجية أخرى حامسة أكثر وصنفت الجماعة ضمن التنظيمات الإرهابية.

بالنسبة لدول المغرب العربي هناك تباين في التعاطي مع التيارات المحسوبة على مرجعية الاخوان المسلمين، لكن هناك توجه لمراقبتها ومراقبة شفافية تعاملاتها وأخرى تعرضت لملاحقات قضائية بتهم مختلفة بينها اختراق القوانين الداخلية وتهم ترتبط بالفساد أو المساس من الأمن القومي.

4-    الجمعيات والواجهات تحت المجهر

يرصد التقرير أن كثيراً من فروع الإخوان ما تزال تنشط عبر جمعيات خيرية، منظمات مجتمع مدني، وأحزاب سياسية بأسماء مختلفة، لكن الأيديولوجيا واحدة. هذه الصيغة باتت اليوم أكثر عرضة للمساءلة القانونية والرقابة المالية، مع تضييق على مصادر التمويل والعلاقات العابرة للحدود.

5-    ردة فعل جماعة الإخوان المسلمين

في ضوء التصنيف الأميركي لجماعة الإخوان المسلمين وفروعها كمنظمات إرهابية، ظهرت ردود فعل متعددة من التيارات الإخوانية أو المحسوبة عليها، سواء على مستوى التنظيمات نفسها أو على مستوى الداعمين أو المنتقدين في المنطقة والعالم. يمكن تحليل هذه الردود في ثلاثة مستويات رئيسية: الموقف الرسمي للجماعة وفروعها، والمواقف في البلاد التي لها حضور سياسي للإخوان، وردود فعل المجتمع المدني والرأي العام.

أولاً: الموقف الرسمي للجماعة وفروعها: رفض واستنكار وتحدّي القرار

ردود الفعل الأولى من داخل دوائر جماعة الإخوان المسلمين كانت رفضًا قاطعًا للقرار الأميركي، مع تأكيد على أن هذا التصنيف غير مستند إلى “أدلة قانونية” وأن الجماعة تنفي أي صلة بالإرهاب.

الجماعة في مصر أصدرت بيانا تعتبر فيه القرار الأميركي “منفصلا عن الواقع وغير مدعوم بأدلة”، مؤكدة أنها منظمة سلمية تسعى للإصلاح عبر الطرق القانونية والديمقراطية. وأضافت الجماعة أنها ستطعن قانونيا في القرار وتستمر في الدفاع عن حقوق أعضائها وحركتها أمام المحاكم والهيئات الدولية، وأنها لم تهدّد أمن الولايات المتحدة أو تمارس الإرهاب.

فرع الجماعة في لندن أعلن كذلك رفضه للقرار، واصفًا إياه بأنه نتيجة ضغوط سياسية من دول أخرى، وأنه ليس مبنيًا على أساس قانوني واضح، مؤكدًا التزامه بالعمل السياسي والاجتماعي داخل الأطر القانونية.

جماعة الإخوان في لبنان ردت بشكل مماثل ببيان رفض، معتبرة أن القرار الأميركي قرار سياسي وإداري وأن الجماعة تعمل ضمن القانون اللبناني وضمن مؤسسات الدولة اللبنانية وليس لها علاقة بالإرهاب حسب التشريعات المحلية والدولية.

هذا الرفض الرسمي المشترك يعكس استراتيجية ثابتة داخل التنظيم وهي تحييد الاتهامات القانونية، وتقديم الجماعة كحركة سياسية/اجتماعية سلمية، ومحاولة مواجهتها قانونيا وسياسيا.

ثانيا: مواقف ومواقف داعمة في دول المنطقة تؤثر على الرؤية الإخوانية

في المقابل، في المنطقة ظهرت ردود فعل سياسية ورسمية في بعض البلدان، لكن ليس كلها متماثلة:

في مصر، على الرغم من رفض الجماعة نفسه للقرار الأميركي، رحّبت الحكومة المصرية به واعتبرته “خطوة تأكيد لموقفها من الجماعة كتنظيم إرهابي”، معتبرة أن القرار الدولي يعزز ما اتخذته القاهرة من إجراءات ضد الإخوان منذ 2013.

في الأردن أيضا، علّق مسؤول حكومي بأن جماعة الإخوان منحلة فعليا منذ سنوات، مما يعكس موقفا محليا أقل دعما للجماعة، وغير متماسك مع الرواية الرسمية الإخوانية.

بينما ترحيب بعض الحكومات العربية بالقرار يشكل ضغطًا إضافيا على الجماعات المحسوبة على الإخوان، لأن ذلك يعزّز من البرهان السياسي الذي تستخدمه هذه الحكومات ضد الإخوان وشرعنة المعالجات الأمنية.

هذا السياق يضع الجماعة في موقف دفاعي ليس فقط أمام القرار الأميركي ولكن أمام بيئات سياسية إقليمية عدائية.

ثالثاً: ردود فعل المجتمع المدني والرأي العام

ردود الفعل في الرأي العام والمجتمع المدني كانت مزيجا من الرفض، التشكيك، والتباين. فعلى منصات التواصل في العالم العربي ظهرت آراء منقسمة بين من يدعم القرار الأميركي باعتباره يضع حدا لما يعتبرونه نفوذا خطرا للإخوان، وبين من يعتبر أن القرار هو استهداف للحريات الدينية والسياسية ويُمثّل تضييقا على مشاركة المسلمين في الحياة السياسية.

بعض ردود الفعل عبر شبكات اجتماعية (مثل إكس ومنتديات أخرى) تُظهر أصواتا تعتبر أن القرار الأميركي نوع من التحيّز السياسي أو محاولة استهداف مشروع فكر سياسي واسع وليس تنظيما يشكّل تهديدا إرهابيا حقيقيا، وهي ردود تعكس مخاوف من أن التصنيف سيؤثر لاحقًا على الحريات العامة والحقوق المدنية.

6-    السيناريو الأخطر : العودة إلى السرّية

يخلص التقرير إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع بعض فروع الجماعة، خاصة في الدول التي لم تحظرها رسمياً بعد، إلى خيارات مثل حلّ نفسها شكلياً، أو الانتقال مجدداً إلى العمل السري وشبه السري، وهو سيناريو تعتبره دول عديدة خطراً أمنياً مضاعفاً مقارنة بالعمل العلني.

 

استنتاج :

فشلت جماعة الإخوان المسلمين في اغتنام فرصة الثقة التي منحتها لها الشعوب العربية عقب ثورات الربيع العربي، لتصطدم باختبارٍ حاسم تمثّل في إدارة أزمة وباء فيروس كورونا. وقد كشفت تلك المرحلة عن إخفاق معظم الحكومات التي قادتها أو شاركت فيها بقوة تيارات محسوبة على فكر الإخوان في تقديم حلول ناجعة وخطط إنقاذ قابلة للتطبيق.

كما أسهم تركيز هذه التيارات على الخطاب العاطفي والنظري، أكثر من اعتماد مقاربة براغماتية قائمة على الحلول العملية، في فقدانها جزءا كبيرا من رصيدها الشعبي، لا سيما في صفوف الشباب.

وأهدرت هذه الحركات وقتا طويلا في البحث عن ذاتها ومحاولة التكيّف مع هوية جديدة، كانت في جوهرها متصادمة مع الواقع ورافضة لمبدأ التجديد. وفي الوقت نفسه، شكّل خيار المهادنة ومحاولة استيعاب الممارسة الديمقراطية والتطبيع مع المختلفين فكريا عائقا إضافيا، إذ حدّ من تركيزها على صياغة برنامج واضح وخطة براغماتية تلبي تطلعات الناخبين. كما أدى تضارب الأولويات لدى بعض هذه الحركات، بين السعي إلى التموقع والتمكين داخل مفاصل السلطة وبين تلبية المتطلبات العاجلة والملحّة، إلى تآكل الثقة بها تدريجيا، كلٌّ بحسب تجربته.

وكان من أبرز الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها بعض التيارات الحاكمة المحسوبة على فكر الإخوان محاولتها السيطرة على أجهزة الدولة عبر تعيين الموالين لها على حساب الكفاءات. فقد ساد الاعتقاد بأن تنفيذ أي برنامج إصلاحي أو رؤية متوسطة وبعيدة المدى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمكّن من دواليب الدولة العميقة، وهو رهان فشلت فيه كثير من هذه التيارات بسبب مقاومة الإدارة وضعف الانسجام بين التكنوقراط القائمين والوافدين الجدد الذين جرى تعيينهم على أساس الولاء.

وعموما، شكّل فشل التعاون بين الإدارات العليا والإدارات المتوسطة، في ظل بعض الحكومات التي قادتها نخب جديدة محسوبة على تيارات إخوانية، عاملا معطّلا للمشاريع والإصلاحات والعمل الحكومي. وعلى العكس مما كان مأمولا، ارتفعت مؤشرات البيروقراطية بعد الربيع العربي بدل أن تتراجع.

أما الخطأ الثاني للتيارات المحسوبة على الفكر الإخواني، فيكمن في افتقار معظمها إلى ممارسة ديمقراطية فعلية داخل هياكلها التنظيمية، إذ غالبا ما كان معيار التماسك والصلابة قائما على الولاء لا على الكفاءة.

وثالثا، أخطأت هذه التيارات في قراءة تحديات الواقع، ودخلت في تصادم مع الخارج قبل الداخل، نتيجة التسرع في تقدير موازين القوى.

ورابعًا، وهو الأهم، أنها لم تتعلم من أخطاء بعضها البعض في المرحلة الممتدة من ما بعد انتفاضات الربيع العربي إلى فترة وباء فيروس كورونا. فقد تكررت الأخطاء ذاتها، حيث أنهكت نفسها في صراعات أيديولوجية بدل القبول الفعلي بالآخر، كما ظلّ معظمها ممانعا لمراجعة الذات وتجديد الأسلوب والخطاب والممارسة، أو القيام بخطوة إلى الوراء لاستيعاب حجم التحديات. وقد شكّلت هذه الممانعة وغياب التجديد أشبه بغشاوة أفقدت أغلب هذه الحركات الشرعية والمشروعية، إذ غابت الإنجازات وطغت الوعود دون تنفيذ.

في النهاية، الإخوان المسلمون لم يعودوا يواجهون أزمة محلية أو إقليمية، بل إعادة تعريف دولية لموقعهم ودورهم. وبين التصنيف، المراقبة، والإقصاء، يتقلص هامش المناورة أمام الجماعة، بينما يبقى السؤال المفتوح: هل تتكيّف جماعة الاخوان أيديولوجياً وسياسياً أم تعود إلى الظل؟

 

 

2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF

المراحع:

 

(Visited 12 times )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث

صالح أحمد عاشور


المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

الكويت، 11 أغسطس 2023 (csrgulf):تراجع النفوذ الإيراني بين الأوساط الشيعية في دول الخليج[1]. حيث واجه النظام صعوبة زيادة استقطاب موالين له ولنظرية ولاية الفقيه المطلقة. فبسبب فشل خيارات قيادة النظام في ...

هذه الدول العربية مهددة بطوفان تسونامي

هذه الدول العربية مهددة بطوفان تسونامي

الكويت، 1 يناير 2024 (csrgulf): لا يبدو أن كارثة تسونامي الطوفانية المدمرة ستبقى حكراً مستقبلاً على منطقة آسيا وتحديدا اندونيسيا أو اليابان التي تعرضت مع بداية هذا العام لزلزال قوي أنتج موجة تسونامي م ...

إيران وأسباب تأخر الانتقام من إسرائيل

إيران وأسباب تأخر الانتقام من إسرائيل

تحليل الكويت، 18 أغسطس 2024 (csrgulf): 19 يوماً منذ إغتيال رئيس مكتب حركة المقاومة الإسلامية حماس إسماعيل هنية في طهران، وإيران التي أعلنت الانتقام لم ترد بعد. ومقارنة مع عملية الوعد الصادق في إبر ...

طموح السعودية يقلب موازين الشرق الأوسط التاريخية

طموح السعودية يقلب موازين الشرق الأوسط التاريخية

الكويت، 2 أكتوبر 2023 (csrgulf): بوتيرة أسرع من التوقعات، تتغير المملكة العربية السعودية برمتها. لعقود ارتبطت سمعة المملكة بإنتاج وبيع النفط فضلاً عن رمزيتها التاريخية كوجهة للسياحة الدينية. لكن في ...

تونس تستمر أكثر بلد ديمقراطي في العالم العربي رغم التحديات

تونس تستمر أكثر بلد ديمقراطي في العالم العربي رغم التحديات

الكويت، 26 يونيو 2023 (csrgulf): يستمر تصنيف تونس كأكثر بلد ديمقراطي وحر في العالم العربي رغم التحديات والصعاب. هذا التصنيف دعمته مؤشرات كثيرة أبرزها ارتفاع مؤشر المحاسبة وانفاذ القانون وتراجع الإفل ...