ماذا ستخسر أميركا إذا ضربت إيران وما هو الرد الإيراني المتوقع؟

الولايات المتحدة قد تدفع ثمناً غير مباشر لكنه كبير

0
تشارك
83
مشاهدة
Share on Facebook Share on Twitter

تحليل: 26 يناير 2026  (CSRGULF): أميركا رسمياً قد تكون وضعت سيناريو ضرب إيران كخيار فعلي بين خياراتها المدروسة إذا فشل مسار التفاوض معها كما ألمح لذلك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بشكل غير مباشر، مبرراً سبب الحشد العسركي الضخم الذي وصل إلى الشرق الأوسط رغم أنه أشار لسياق استخدام القوة للردع في حال هجوم إيراني على مصالح أميركا بالمنطقة.

لكن يأتي تجدد التهديدات الأميركية باستخدام القوة العسكرية ضد إيران في لحظة إقليمية ودولية شديدة الهشاشة، تتقاطع فيها نتائج الاحتجاجات الداخلية الإيرانية مع تصعيد سياسي وعسكري من إدارة الرئيس دونالد ترمب وضغط إسرائيلي يحرض هذه المرة علناً على تغيير النظام في طهران. هذا السياق يعيد إلى الواجهة سؤالاً استراتيجياً جوهرياً: ماذا ستجني الولايات المتحدة فعلياً من ضرب إيران، وماذا قد تخسر؟ والأهم: كيف يمكن أن يكون الرد الإيراني، سياسياً وعسكرياً وأمنياً؟

تاريخيا، تُظهر الأدبيات السياسية والعسكرية أن الضربات الخارجية نادراً ما تُضعف الأنظمة السلطوية التي تواجه احتجاجات داخلية، بل غالبا ما تؤدي إلى نتيجة معاكسة تماما. في الحالة الإيرانية، تشير تحليلات مراكز أبحاث أميركية وأوروبية، من بينها Defense Priorities وInternational Crisis Group، إلى أن أي هجوم أميركي سيمنح النظام في طهران فرصة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية عبر ما يُعرف بتأثير "الالتفاف حول العلم" وهو نمط موثق منذ عقود في علم السياسة، حيث تتحول الغضب الشعبي من السلطة إلى غضب موجّه ضد "العدو الخارجي". هذا ما حدث خلال الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، حين أدت الحرب التي شنها صدام حسين، بدعم دولي واسع، إلى تثبيت أركان النظام الإيراني الفتي بدل إسقاطه.

على الصعيد السياسي، ستخسر الولايات المتحدة ما تبقى من قدرتها على التأثير غير العسكري داخل إيران. فالتدخل العسكري سيُستخدم فورا من قبل السلطة الإيرانية لتشويه صورة المحتجين ووصمهم بالعمالة للخارج، وهو خطاب سبق أن استُخدم بفعالية في محطات سابقة. تقارير مثل تلك التي نشرتها صحيفة Handelsblatt الألمانية وThe Guardian تشير إلى أن مجرد التلميح الأميركي بالتدخل العسكري أضعف في فترات سابقة التيار الإصلاحي والمعتدل داخل النظام الإيراني، وأدى إلى تهميش أي أصوات تدعو للتسوية أو الانفتاح. بمعنى آخر، الضربة الأميركية لن تُسقط النظام، لكنها قد تُسقط آخر ما تبقى من التوازنات الداخلية التي تسمح بإمكانية التغيير التدريجي.

عسكريًا، ستكون الخسارة الأميركية أكثر مباشرة وخطورة. فالولايات المتحدة تحتفظ بنحو 30 ألف جندي في الشرق الأوسط، موزعين على قواعد في العراق وسوريا ودول خليجية. تقارير وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) ومراكز مثل RAND Corporation تؤكد أن جزءا كبيرا من هذه القوات متمركز في قواعد مكشوفة نسبيا، تفتقر إلى أنظمة دفاع جوي متقدمة مقارنة بالقواعد الكبرى. إيران، من جهتها، تمتلك ترسانة صاروخية تُعد الأكبر في الشرق الأوسط، إضافة إلى شبكة واسعة من الحلفاء والميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن. تجربة الرد الإيراني بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020، حين استهدفت طهران قواعد أميركية في العراق، تُظهر أن إيران قادرة على إيقاع خسائر بشرية حقيقية إذا قررت التصعيد، حتى عندما تحاول "ضبط" الرد.

الرد الإيراني المتوقع في حال توجيه ضربة أميركية جديدة سيكون مختلفًا وأكثر شدة من الردود السابقة، وفق تقديرات Bloomberg Intelligence وStratfor، فالسياق تغيّر: التهديد لم يعد يقتصر على البرنامج النووي، بل بات يستهدف رأس النظام نفسه. هذا يرفع مستوى الصراع إلى درجة وجودية بالنسبة للقيادة الإيرانية، ويقلّص هامش المناورة أمامها. في مثل هذا السيناريو، قد تلجأ طهران إلى استراتيجية متعددة المستويات: ضربات مباشرة أو غير مباشرة ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا، تصعيد عبر حلفائها ضد إسرائيل، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية.

اقتصاديا، ستدفع الولايات المتحدة ثمنا غير مباشر لكنه كبير. أي تصعيد عسكري مع إيران سيؤدي، وفق تقديرات Goldman Sachs وJPMorgan، إلى قفزة حادة في أسعار النفط والغاز، ما سيغذي التضخم عالميا ويضغط على الاقتصاد الأميركي ذاته، خصوصًا في ظل بيئة اقتصادية دولية متوترة. كما أن استهداف الملاحة في الخليج، حتى بشكل محدود، سيعيد إلى الأذهان أزمات الطاقة في السبعينيات، وهو سيناريو تحاول واشنطن تفاديه منذ عقود.

استراتيجيا، سيُضعف ضرب إيران موقع الولايات المتحدة عالميا بدل تعزيزه. فالهجوم سيُنظر إليه، في نظر حلفاء وخصوم على حد سواء، باعتباره مغامرة عسكرية جديدة بلا أفق سياسي واضح، في وقت تسعى فيه واشنطن للتركيز على التنافس مع الصين واحتواء روسيا. تقارير Foreign Affairs وCouncil on Foreign Relations تحذر من أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران سيستنزف الموارد الأميركية، ويقوّض خطاب "تقليص الانخراط العسكري" الذي رفعته الإدارات الأميركية المتعاقبة.

في المحصلة، تشير القراءة المتقاطعة للمصادر الأكاديمية والإعلامية الموثوقة إلى أن الولايات المتحدة ستخسر أكثر مما ستكسب من أي ضربة عسكرية لإيران. فبدل إضعاف النظام، ستُقوّيه داخليا، وبدل حماية القوات الأميركية، ستضعها في مرمى ردود انتقامية واسعة، وبدل تعزيز الاستقرار الإقليمي، ستفتح الباب أمام موجة جديدة من الفوضى وارتفاع أسعار الطاقة. أما الرد الإيراني المتوقع، فلن يكون انتحاريا أو عشوائيا، بل مدروسا وقاسيا بما يكفي لإعادة ترسيخ معادلة الردع، وإفهام واشنطن أن كلفة التدخل في الداخل الإيراني ستكون أعلى بكثير مما قد تتحمله.

 

2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF

المراحع:

 

(Visited 83 times )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث

صالح أحمد عاشور


مساعدات الكويت الخارجية…هل تتقلص بهدف الترشيد؟

مساعدات الكويت الخارجية…هل تتقلص بهدف الترشيد؟

الكويت بين أكثر المانحين العرب في عدم الاستفادة المباشرة من تحويل سياسة المساعدات والقروض الى فرص تعاون واستثمار مشترك تراجع حجم التعهدات الخليجية والدولية لصرف المنح والمساعدات الخارجية استفادت ب ...

الكويتيون رابع أكثر الشعوب العربية أماناً لعام 2023

الكويتيون رابع أكثر الشعوب العربية أماناً لعام 2023

الكويت 01 مارس 2023 (csrgulf): تراجع ترتيب الكويتيين في تصنيف أكثر الشعوب العربية أماناً هذا العام الى المرتبة الرابعة بعد أن كان ترتيبهم في المرتبة الثالثة في تصنيف العام الماضي. لكن تبقى الكويت مص ...

إيران وأسباب تأخر الانتقام من إسرائيل

إيران وأسباب تأخر الانتقام من إسرائيل

تحليل الكويت، 18 أغسطس 2024 (csrgulf): 19 يوماً منذ إغتيال رئيس مكتب حركة المقاومة الإسلامية حماس إسماعيل هنية في طهران، وإيران التي أعلنت الانتقام لم ترد بعد. ومقارنة مع عملية الوعد الصادق في إبر ...

حقوق المرأة الكويتية: الفجوة تتسع مع الرجل

حقوق المرأة الكويتية: الفجوة تتسع مع الرجل

الكويت، 30 مارس 2024 (csrgulf): المرأة الكويتية واحدة من بين أكثر النساء في العالم لا تحصل على حقوق متكافئة مع الرجل خاصة على مستوى الزواج والطلاق وحضانة الأطفال وغيرها من الحقوق في مجالات قانوني ...

طموح السعودية يقلب موازين الشرق الأوسط التاريخية

طموح السعودية يقلب موازين الشرق الأوسط التاريخية

الكويت، 2 أكتوبر 2023 (csrgulf): بوتيرة أسرع من التوقعات، تتغير المملكة العربية السعودية برمتها. لعقود ارتبطت سمعة المملكة بإنتاج وبيع النفط فضلاً عن رمزيتها التاريخية كوجهة للسياحة الدينية. لكن في ...