نهاية حرب إيران أوشكت

ملامح تسوية غير معلنة تتشكل، تقوم على اعتبار الضربات العسكرية الأخيرة نصراً استراتيجياً دون الذهاب إلى مرحلة تغيير النظام في إيران

0
تشارك
26
مشاهدة
Share on Facebook Share on Twitter

 

 10 مارس 2026، تقرير تحليلي – مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث (CSRGULF)

مقدمة:

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يبحث عن نصر سريع، وليس لديه نفس طويل في الحرب. فهو يردد دائما بتفاخر كيف غير بوصلة القرار في فنزويلا في ساعات فقط مدة العملية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.

وكان يأمل السيناريو نفسه في الضربة القوية والمزدوجة مع إسرائيل على إيران في اليوم الأول التي انتهت باغتيال المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامئني. حيث فاجأ الإيرانيون ترمب رغم اغتيال أغلب أصحاب القرار والقادة، عن قدرتهم على الاستمرار في الحرب وتحملها بل والرد بالمثل بالقصف الصاروخي واطلاق مئات المسيرات محلية الصنع التي هاجمت اسرائيل و للأسف دول الخليج لأول مرة ما أحدث صدمة للجميع.

انفلات مسار الحرب جعل ترمب تحت ضغط قوي، فالتأييد الداخلي سرعان ما بدأ يتصدع ارتفاع كلفة الحرب الضخمة، وقفزة أسعار البنزين نتيحة بوادر انفجار أزمة طاقة عالمية باغلاق مضيق هرمز لأول مرة في تاريخه، وتوقعات بأزمة اقتصادية عنيفة في العالم سيكون التضخم وقودها.

كما أن حلفاء ترمب في المنطقة مثلهم مثل الأوروبيين والآسيويين قد يكونوا مارسوا ضغوطا دبلوماسية قوية لعدم اطالة الحرب ووقفها. فهي لا تخدم مصلحة الجميع حتى إسرائيل. فقط النتائج كارثية للجميع والأخطر من ذلك، أن منطقة الشرق الأوسط والخليج  قد لا تعود لما كانت عليه قبل تاريخ 28 من فبراير تاريخ بداية الحرب التي ستكون تداعياتها معقدة على الخليج التي رغم العدوان الإيراني السافر، فضلت دوله التريث والحكمة بدل الانجرار لحرب ليست حربهم رغم تضررهم من انفلات الانتقام الإيراني العشوائي الذي سيدمر عقود من الثقة الهشة التي جمعت إيران مع جيرانها.

بوادر نهاية الحرب

تشير التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة إلى أن الحرب المرتبطة بإيران تقترب من مرحلة الانحسار، بعد دخول الأسبوع الثاني من المواجهات العسكرية والضربات المتبادلة التي هددت استقرار الشرق الأوسط والخليج وأثرت على أسواق الطاقة العالمية. فقد أعلن الرئيس الأميركي أن الحرب "انتهت إلى حد كبير"، في إشارة إلى أن العمليات العسكرية حققت أهدافها الأساسية بوتيرة أسرع مما توقعته الإدارة الأميركية.

غير أن هذا التصريح لا يمكن فصله عن الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة داخل الولايات المتحدة، ولا عن التغيرات في حسابات إسرائيل الاستراتيجية. فمع ارتفاع كلفة الحرب وتداعياتها على الاقتصاد الأميركي وأسواق الطاقة، ومع بروز إشارات من مسؤولين إسرائيليين إلى إمكانية إنهاء الحرب دون إسقاط النظام الإيراني، بدأت ملامح تسوية غير معلنة تتشكل، تقوم على اعتبار الضربات العسكرية الأخيرة "نصراً استراتيجياً" دون الذهاب إلى مرحلة تغيير النظام في إيران.

1- التحولات الميدانية وتآكل القدرات العسكرية

خلال الأسابيع الماضية تعرضت بنية إيران العسكرية لضربات مركزة استهدفت مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي والطائرات المسيّرة ومنظومات القيادة والسيطرة. ووفق تصريحات الرئيس الأميركي، فإن إيران فقدت جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية، بما في ذلك تراجع فعالية شبكات الاتصالات العسكرية وبعض مكونات سلاحها الجوي والبحري.

هذه الضربات هدفت أساساً إلى تقليص قدرة إيران على إدارة عمليات عسكرية واسعة أو تنسيق الردود الإقليمية، وهو ما يعكس نهجاً عسكرياً يركز على إضعاف البنية الاستراتيجية للخصم بدلاً من خوض حرب برية طويلة.

ورغم ذلك، استمرت إيران في إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه أهداف مختلفة في المنطقة، كما واصلت تهديد المصالح الأميركية وحلفائها، ما يشير إلى أن قدراتها العسكرية لم تُشل بالكامل.

2- الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة

لا يمكن فهم إعلان اقتراب نهاية الحرب من دون النظر إلى الضغوط الاقتصادية المتزايدة داخل الولايات المتحدة. فقد أدت الحرب إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع المخاوف من تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

وقد انعكس هذا التوتر سريعاً على الأسواق، إذ قفزت أسعار النفط في بعض الفترات إلى قرابة 120 دولاراً للبرميل قبل أن ينخفض لأقل من 90 دولاراً عقب تصريح ترمب بأن الحرب أوشكت على النهاية. ارتفاع أسعار النفط أدى إلى قفزة أسعار البنزين في الولايات المتحدة وعودة الضغوط التضخمية التي كانت قد بدأت بالانحسار في الأشهر السابقة.

كما شهدت أسواق الأسهم العالمية تقلبات حادة نتيجة المخاوف من اتساع الحرب وتأثيرها على الاقتصاد العالمي. وتعد هذه التطورات مصدر قلق كبير للإدارة الأميركية، نظراً لحجم المصالح الاقتصادية والاستثمارات الأميركية في الشرق الأوسط، إضافة إلى حساسية أسعار الوقود بالنسبة للاقتصاد الأميركي والرأي العام.

وفي هذا السياق، تشير تقارير اقتصادية إلى أن استمرار الحرب لفترة أطول كان سيشكل عبئاً مالياً كبيراً على الولايات المتحدة، سواء من حيث كلفة العمليات العسكرية أو من حيث تداعياتها على الاقتصاد والطاقة.

3- استنزاف مخزون الذخائر الدفاعية

إلى جانب الكلفة الاقتصادية، برز عامل عسكري مهم يتمثل في الاستنزاف المتزايد لمخزون الذخائر لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي.

فمع كثافة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران وحلفاؤها خلال الحرب، اضطرت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأميركية إلى إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية مثل تلك المستخدمة في أنظمة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات.

وتشير تقديرات عسكرية إلى أن اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة يتطلب في كثير من الأحيان إطلاق أكثر من صاروخ اعتراضي واحد لضمان إسقاط الهدف، ما يضاعف من سرعة استهلاك المخزون الدفاعي. كما أن تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد قد تصل إلى مئات آلاف الدولارات أو حتى ملايين الدولارات في بعض الأنظمة المتقدمة.

هذا الاستنزاف المتسارع للمخزونات الدفاعية يفرض ضغوطاً إضافية على صناع القرار العسكري في واشنطن وتل أبيب، لأن إعادة بناء هذه المخزونات تحتاج إلى وقت طويل وإنتاج صناعي مكثف، وهو ما قد يؤثر على جاهزية هذه الدول في حال اندلاع أزمات أو صراعات أخرى في مناطق مختلفة من العالم.

4- تغير الحسابات الإسرائيلية

إلى جانب الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بدأت بعض المؤشرات تظهر داخل إسرائيل نفسها بشأن حدود الأهداف الممكنة للحرب. فقد نقلت تقارير إعلامية عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن الحرب يمكن أن تنتهي دون إسقاط النظام الإيراني.

هذا الموقف يمثل تحولاً مهماً مقارنة بالتصريحات السابقة لكل من بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب، اللذين تحدثا في بداية الحرب عن احتمال انتهاء المواجهة باستسلام إيراني غير مشروط أو حتى تغيير النظام في طهران.

لكن مع استمرار الحرب وارتفاع كلفتها، ومع بقاء النظام الإيراني متماسكاً نسبياً، يبدو أن الهدف الاستراتيجي بدأ يتحول من تغيير النظام إلى إضعاف قدراته العسكرية وردعه.

5- استراتيجية إيران في الصمود والضغط المضاد

في المقابل، اعتمدت إيران استراتيجية تقوم على الصمود العسكري وإدارة حرب نفسية تهدف إلى إظهار قدرتها على الاستمرار في المواجهة رغم الضربات القاسية.

كما واصلت توجيه ضربات أو تهديدات ضد مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما ساهم في خلق ضغط سياسي إضافي على الإدارة الأميركية. فاستمرار الهجمات أو التهديد بها ضد دول الخليج أو المصالح الأميركية كان يحمل خطر توسيع نطاق الحرب إلى مواجهة إقليمية واسعة.

وقد أدى هذا العامل إلى تعزيز القناعة داخل بعض الدوائر الغربية بأن إطالة أمد الحرب قد يخلق مخاطر أكبر من الفوائد العسكرية المحتملة.

6- إعادة تعريف "النصر" في الحرب

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتجهان إلى إعادة تعريف مفهوم النصر في هذه الحرب. فبدلاً من تحقيق الهدف الأقصى المتمثل في تغيير النظام الإيراني، قد يجري تقديم نتائج العمليات العسكرية باعتبارها نجاحاً استراتيجياً.

وتشمل هذه النتائج اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، واستهداف جزء مهم من القدرات العسكرية الإيرانية، إضافة إلى توجيه رسالة ردع قوية إلى طهران بشأن حدود نفوذها الإقليمي.

وبهذا المعنى، يمكن تصوير نهاية الحرب على أنها انتصار عسكري وسياسي، حتى دون تحقيق الأهداف الأكثر طموحاً التي طرحت في بداية الصراع.

استنتاج:

تظهر المعطيات الحالية أن الحرب المرتبطة بإيران تقترب من مرحلة النهاية، ليس فقط بسبب التطورات الميدانية، بل أيضاً نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية المتزايدة على جميع الأطراف. فارتفاع كلفة الحرب على الاقتصاد الأميركي، واستنزاف مخزونات الذخائر الدفاعية، وتزايد المخاطر على أسواق الطاقة العالمية، إضافة إلى استمرار قدرة إيران على الصمود النسبي، كلها عوامل دفعت نحو البحث عن مخرج يتيح إنهاء المواجهة دون الانزلاق إلى حرب طويلة.

ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة انتقال الصراع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة جديدة من الضغوط السياسية والاقتصادية، في إطار إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.

Top of Form

 

Bottom of Form

 

2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF

المراحع:

 

(Visited 26 times )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث

صالح أحمد عاشور


من سيحكم إيران بعد اغتيال المرشد؟

من سيحكم إيران بعد اغتيال المرشد؟

تدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة انتقالية غير مسبوقة بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربة أميركية–إسرائيلية داخل طهران. وبينما تُفعَّل الآليات الدستورية لمنع الفراغ، ب ...

مجاعة تتهدد العرب في المستقبل بسبب نقص الغذاء

مجاعة تتهدد العرب في المستقبل بسبب نقص الغذاء

  –        100 مليون عربي قد لا يجدون طعاماً في 2030 –        الجوع محرك ثورات العرب في المستقبل –  ...

التلوث البحري تهديد متصاعد للصحة والسياحة في الكويت

التلوث البحري تهديد متصاعد للصحة والسياحة في الكويت

–        الكويتيون يواجهون خطرا بيئياً مصدره البحار –         الكويتيون قد لا يجدون شواطئ صالحة للسباحة مستقبلاً –   &nb ...

المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

الكويت، 11 أغسطس 2023 (csrgulf):تراجع النفوذ الإيراني بين الأوساط الشيعية في دول الخليج[1]. حيث واجه النظام صعوبة زيادة استقطاب موالين له ولنظرية ولاية الفقيه المطلقة. فبسبب فشل خيارات قيادة النظام في ...

مساعدات الكويت الخارجية…هل تتقلص بهدف الترشيد؟

مساعدات الكويت الخارجية…هل تتقلص بهدف الترشيد؟

الكويت بين أكثر المانحين العرب في عدم الاستفادة المباشرة من تحويل سياسة المساعدات والقروض الى فرص تعاون واستثمار مشترك تراجع حجم التعهدات الخليجية والدولية لصرف المنح والمساعدات الخارجية استفادت ب ...