19 يناير، 2026 (CSRGULF): ملخص تنفيذي
بعد أكثر من 3 أسابيع من الاحتجاجات الشعبية على الغلاء وتردي أوضاع المعيشة، والتي اعترف فيها النظام الإيراني بسقوط ضحايا، لم تنجح خطة أميركا وإسرائيل في استثمارها للاطاحة بالنظام في طهران من الداخل بعد اثباته صمودا ومرونة وقبضة حديدية. صمود مؤسسات الدولة، بالاضافة لتدخل اقليمي يخشى فوضى تداعيات انهيار النظام فجأة على المنطقة، كلها عوامل ضغطت على الإدارة الأميركية للتراجع في تنفيذ تهديد الرئيس دونالد ترمب بتوجيه ضربة عسكرية لفرض تغيير رأس النظام الإيراني بالقوة. حيث بدأ يسود تقدير أميركي بحسب وسائل اعلام غربية، باحتمال عدم نجاح فاعلية أي تدخل خارجي على الأرض في تحقيق ما يطمح له ترمب ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فعلى عكس ما كان يطمحان إليه، تدخلهما في الاحتجاجات الإيرانية، كان أحد أهم أسباب انقاذ النظام وزيادة صلابته وتغير مزاج الشعب الإيراني. فرغم استمرار غضبه تظهر المؤشرات أنه يرفض تصدير الحلول والبدائل من الخارج.
النتيجية، للمرة الثانية تفشل أميركا وإسرائيل في تصدير البديل المستقبلي لقيادة إيران المتمثل في نجل الشاه رضا بهلوي الثاني الذي يطمح بكل وسيلة لعودة احياء نظام والده الشاه الذي أطاحت به الثورة الاسلامية الايرانية عام 1979.
1- كيف أنقذ التدخل الأميركي والإسرائيلي النظام الإيراني من السقوط؟
نجل الشاه الذي وعد أن إيران الحرة تحت قيادته ستعترف بإسرائيل وتعلن صفقة تطبيع معها، صحيح أنه وجد دعماً خارجيا غربياً صريحاً خاصة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لكن الدعم الخارجي لبهلوي كان سبب فقدانه للدعم بالداخل، حيث مايزال الإيرانيون يعارضون بشدة أي تدخل إسرائيلي أميركي في شوؤنهم. وهو ما استثمره النظام بشكل جيد لتطويق مسار الاحتجاجات التي اعترف بأحقيتها، لكن بعد تهديد ترمب بضرب إيران، تحول النظام من متهم أمام المحتجين إلى ضحية مؤامرة خارجية أفقدت شرعية الاحتجاجات زخمها رغم أحقية مطالبها. حتى أنه تم اعتبار بعض المحتجين بأنهم خونة للبلاد. وهو ما أضعف زخم الغضب الشعبي بسرعة.
شوكة النظام الإيراني زادت قوتها بعد تجدد الدعوات الغربية والإسرائيلية لتغيير القيادة في إيران والمقصود المرشد الأعلى للثورة الاسلامية السيد علي خامنئي. دعوات رفضها الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان محذرا واشنطن من أن أي هجوم على خامنئي سيعد بمثابة إعلان حرب شاملة. هذه التطورات تزيد من فقدان الاحتجاجات أي مشروعية شعبية لأنها تتراجع في أولويات البلاد التي تروج لشعبها أن في حالة حرب، وبذلك تكسب التعاطف والتضامن مؤقتا وتزيل أي تهديد داخلي فوري.
2- إسقاط النظام هدف ثابت في الاستراتيجية الإسرائيلية
الدعوة لتجديد القيادة الإيرانية تأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تداخلت فيه الحرب على غزة، والتصعيد غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، والاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها مدن إيرانية نهاية عام 2025 وبداية 2026.
في هذا المناخ، عادت إلى الواجهة محاولات إحياء سيناريو قديم يقوم على استثمار الاضطرابات الداخلية لإعادة هندسة النظام السياسي الإيراني من الخارج، مع إعادة تسويق نجل الشاه السابق، رضا بهلوي، بوصفه بديلاً رمزياً قادراً على توحيد الإيرانيين وفتح صفحة جديدة في علاقة طهران بالغرب وإسرائيل. غير أن هذه المحاولة، التي حملت ملامح الفوضى الخلاقة كما صيغت في التجارب الأميركية السابقة بالمنطقة، اصطدمت مجدداً بجدار رفض شعبي إيراني وصمود النظام الصلب.
منذ الثورة الإسلامية عام 1979، يشكّل إسقاط النظام القائم في طهران هدفاً ثابتاً في الاستراتيجية الإسرائيلية، وإن اختلفت الأدوات والوسائل. فإسرائيل، التي كانت حليفاً وثيقاً لنظام الشاه، ترى في إيران الإسلامية التهديد الوجودي الأكبر لأمنها القومي، سواء بسبب البرنامج النووي أو شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من لبنان إلى اليمن. ومع تعثر الخيارات العسكرية المباشرة، وارتفاع كلفتها الإقليمية والدولية، عاد الرهان على الداخل الإيراني كمسار أقل تكلفة وأكثر قابلية للتسويق أخلاقياً تحت عنوان «دعم الشعب الإيراني». في هذا السياق، برز رضا بهلوي مجدداً في الخطاب الإعلامي الغربي والإسرائيلي، ليس فقط كوريث رمزي للنظام السابق، بل كأداة سياسية لإعادة إنتاج صورة «إيران ما قبل الثورة» المتصالحة مع الغرب.
غير أن هذا الرهان تجاهل معطى تاريخياً مركزياً يتمثل في أن الثورة الإيرانية لم تكن مجرد انقلاب سياسي، بل قطيعة عميقة مع نموذج الحكم الملكي المرتبط في الذاكرة الجماعية بالاستبداد، والتبعية، والتفاوت الاجتماعي الحاد. فحتى الإيرانيين الأكثر نقداً للنظام الحالي، والذين يخرجون إلى الشارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية أو القيود الاجتماعية، لا يرون في عودة نجل الشاه حلاً، بل استعادة لنظام أسقطه آباؤهم بدمائهم. هذا الرفض البنيوي يفسر محدودية القاعدة الشعبية الحقيقية لرضا بهلوي داخل إيران، واقتصار حضوره على أوساط من الشتات الإيراني في الغرب، حيث تختلط الحنينيات السياسية بحسابات القوى الخارجية.
3- محاولة تنصيب نجل الشاه بواقع اجتماعي وسياسي مختلف جذرياً عن إيران السبعينيات
إلى جانب العامل التاريخي، اصطدمت محاولة تنصيب نجل الشاه بواقع اجتماعي وسياسي مختلف جذرياً عن إيران السبعينيات. فالمجتمع الإيراني اليوم شاب، متعلم، ومسيّس بدرجة عالية، ويمتلك وعياً سيادياً رافضاً لأي مشروع يُشتبه في كونه مفروضاً من الخارج. وقد ساهم الخطاب الإسرائيلي والغربي العلني الداعم لرضا بهلوي في إضعافه أكثر داخل الداخل الإيراني، إذ عزز السردية الرسمية للنظام حول «المؤامرة الخارجية» و«الاختراق الأجنبي»، ومنح الأجهزة الأمنية مبرراً إضافياً لتشديد قبضتها تحت شعار الدفاع عن السيادة الوطنية.
في المقابل، أظهر النظام الإيراني قدرة لافتة على الصمود وإدارة الأزمات المركبة. فعلى الرغم من شدة الاحتجاجات وسقوط آلاف الضحايا وفق منظمات حقوقية، لم تظهر تصدعات حقيقية داخل مراكز القوة الأساسية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والمؤسسة الدينية. هذه البنية الصلبة، التي تشكلت على مدى أكثر من أربعة عقود، أثبتت مرة أخرى أنها ليست مجرد جهاز قمع، بل شبكة مصالح سياسية واقتصادية وأيديولوجية مترابطة، ترى في بقاء النظام ضماناً لبقائها.
كما أن إدارة طهران للأزمة لم تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، بل شملت إعادة ضبط الإيقاع السياسي والإعلامي. فإعادة فتح المدارس، واستعادة حد أدنى من خدمات الإنترنت، وتكثيف الخطاب الوطني الذي يربط الاحتجاجات بالتدخل الخارجي، كلها أدوات هدفت إلى امتصاص الصدمة ومنع تحول الغضب الاجتماعي إلى مشروع سياسي منظم. وفي هذا الإطار، لعبت التهديدات الأميركية والإسرائيلية، بما فيها الدعوات العلنية لتغيير القيادة، دوراً عكسياً، إذ أعادت توحيد شرائح من المجتمع الإيراني حول فكرة «الخطر الخارجي»، حتى وإن اختلفت هذه الشرائح مع النظام في ملفات داخلية عديدة.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد فشلت محاولة تدويل سيناريو «الفوضى الخلاقة» في إيران بسبب غياب توافق دولي حقيقي. فالدول الكبرى، بما فيها حلفاء واشنطن الأوروبيون، أبدت حذراً واضحاً من أي مسار قد يؤدي إلى انهيار الدولة الإيرانية، لما يحمله ذلك من مخاطر تفكك وفوضى إقليمية غير قابلة للاحتواء. هذا الموقف عبّرت عنه أيضاً قوى إقليمية كتركيا، التي حذرت صراحة من تداعيات كارثية لأي تدخل عسكري أو محاولة إسقاط النظام بالقوة، في بلد يتجاوز عدد سكانه 90 مليون نسمة.
في المحصلة، تكشف تجربة الأسابيع الماضية أن الرهان على إعادة إنتاج نموذج الشاه في إيران، ولو بصيغة معدّلة، يعكس سوء فهم عميق لبنية المجتمع الإيراني وتاريخه السياسي. فالفوضى الخلاقة، التي راهنت عليها إسرائيل وبعض الدوائر الأميركية، لم تُنتج سوى تعزيز قبضة النظام، وإضعاف البدائل المطروحة، وتآكل مصداقية الخطاب الداعم لـ«التغيير من الخارج». وبينما تستمر التحديات الداخلية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية، فإن مسار التغيير، إن حدث، سيبقى رهين ديناميات داخلية خالصة، لا لمشاريع إعادة تدوير الماضي أو هندسة المستقبل من خلف الحدود.
2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF
المراحع:
















