الكويت تنجح في الصمود أمام حرب إيران وتستعد لإقلاع اقتصادي قوي

توقعات بمرحلة ازدهار بمقومات جديدة مستفيدة من دروس صدمة الحرب بالمنطقة

0
تشارك
61
مشاهدة
Share on Facebook Share on Twitter

04 مايو 2025 (تقرير تحليلي – CSRGULF )


في خضم واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في منطقة الشرق الأوسط والخليج، وبين تصاعد التوترات المرتبطة بحرب إيران وما رافقها من تهديدات مباشرة وغير مباشرة لممرات الطاقة والتجارة، تبرز الكويت كنموذج لاقتصاد قادر على الصمود والتكيّف رغم التداعيات. لم يكن هذا الصمود صدفة، بل نتيجة خيارات القيادة السياسية الحكيمة ودور تراكمات مؤسسية وسياسات مالية ونقدية متحفظة، إضافة إلى سرعة استجابة الدولة في إدارة الأزمة. مع توقع بعض التعديلات لبوصلة التنمية والأمن الطاقي والغذائي والمائي بالاستفادة من دروس الأزمة غير المسبوقة التي فرضتها الحرب والعدوان الإيراني الغاشم على أمن ومصالح دولة الكويت. 

خلال ذروة التوترات، ورغم المخاطر الجيوسياسية التي طالت المنطقة، حافظ الاقتصاد الكويتي على استقراره النسبي. فلم تشهد الأسواق نزوحا جماعيا لرؤوس الأموال، بل على العكس، استمرت الثقة المحلية والأجنبية، وهو ما أكده مسؤولون في القطاع الخاص، من بينهم نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس النفيذي لشركة مجموعة أرزان جاسم زينل الذي أشار إلى أن الكويت وقفت شامخة اقتصاديا خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والعدوان الإيراني الغاشم، في وقت كانت فيه اقتصادات أخرى تعاني من اضطرابات حادة.

تعكس الأرقام جانبا مهما من هذا الصمود. فقد واصلت الحكومة تنفيذ مشاريع تنموية بقيمة تقارب 8.1 مليارات دولار، بالتوازي مع إطلاق حزم تحفيزية من بنك الكويت المركزي لدعم القطاع المصرفي وتعزيز السيولة. كما استمرت البنوك في تحقيق نتائج قوية خلال 2025، مع عودة السيولة في السوق إلى مستويات تجاوزت 100 مليون دينار يوميا في بعض الفترات، ما يعكس استمرار النشاط الاقتصادي رغم التحديات.

غير أن الأهم من الصمود… هو ما بعد الصمود.

الأزمة كشفت بوضوح نقاط قوة، لكنها في الوقت نفسه عرّت بعض نقاط الضعف التي تسعى الحكومة الكويتية لتداركها، خاصة في الاعتماد الكبير على سلاسل إمداد وتوزيع خارجية محدودة في مجالات حيوية مثل الغذاء ونقل الطاقة. فمع إغلاق مؤقت الموانئ أو اضطراب حركة الطيران بعد إلاق مطار الكويت الدولي، برزت الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الاقتصادي الشامل.

في هذا السياق، تتجه الكويت نحو مرحلة جديدة تقوم على تسريع تنويع الاقتصاد وتوطين بعض الصناعات الحيوية وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل. ورغم أن القطاع النفطي لا يزال يشكل أكثر من 80%  من الإيرادات العامة، إلا أن التوجهات الحكومية الحالية تشير إلى تعزيز دور القطاعات غير النفطية، خاصة الخدمات المالية، اللوجستيات، والتكنولوجيا.

وتبرز هنا تجربة مجموعة أرزان كأحد النماذج الدالة على هذا التحول، حيث نجحت خلال 12 عاما فقط في إدارة كيان استثماري عالمي بأصول تُقدّر بنحو 5 مليارات دولار، مع استثمارات تمتد إلى قطاعات استراتيجية مثل الضيافة، رأس المال المغامر، والعقار. هذا النمو يعكس قدرة القطاع الخاص الكويتي على التوسع عالميا وجذب استثمارات أجنبية، في وقت تتزايد فيه جاذبية المنطقة كوجهة استثمارية.

على مستوى البنية التحتية، تدفع الأزمة نحو تسريع مشاريع الطاقة والنقل، بما في ذلك تنويع مسارات تصدير النفط وتعزيز القدرات التخزينية. كما أن مشاريع مثل خطوط الأنابيب الجديدة وتمويلات تتجاوز 6 مليارات دولار في قطاع الطاقة تشير إلى توجه استراتيجي لتعزيز مرونة الإمدادات وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة.
لكن التحول الأبرز قد يكون في ملف الأمن الغذائي.

فالأزمة أعادت التأكيد على ضرورة تقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة أن الكويت تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية. هنا يبرز خيار الاستثمار في الزراعة الذكية، والتكامل الخليجي في سلاسل الإمداد، إلى جانب دعم القطاع الخاص لتطوير مشاريع إنتاج محلية.
في هذا الإطار، قد يصعد الإهتمام أكثر بتسريع الاستمثار في السياحة كأحد القطاعات الواعدة لتنويع الاقتصاد. فالكويت تمتلك مقومات طبيعية وجغرافية يمكن استثمارها، خاصة في مناطق الجنوب والشمال مثل الخيران والعبدلي. تحويل هذه المناطق إلى وجهات سياحية متكاملة يمكن أن يخلق قيمة مضافة حقيقية، خصوصا إذا تم تطويرها عبر شراكات بين الدولة والقطاع الخاص.

التجارب الدولية تقدم نماذج واضحة. في إسبانيا  مثلا، في وقت وجيز، قفزت مساهمة السياحة من 11 % عام 2014 إلى نحو 16%  من الناتج المحلي، بينما تجاوزت عوائد تركيا السياحية 50  مليار دولار سنويا مع أكثر من 50 مليون سائح.  بفضل الرهان على تنمية القطاع. أما سنغافورة، فقد نجحت رغم صغر مساحتها في بناء اقتصاد سياحي متكامل قائم على البنية التحتية المتقدمة. هذه النماذج تؤكد أن الاستثمار المنظم في السياحة يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية رئيسية.

وفي هذا السياق، يبرز مقترح إنشاء مطار جديد بالقرب من الخيران كخطوة استراتيجية، ليس فقط لتخفيف الضغط على المرافق الحالية، بل لخلق محور اقتصادي وسياحي جديد يعزز الربط الإقليمي والدولي.

في المحصلة، لم تكن الأزمة مجرد اختبار لقدرة الكويت على الصمود، بل كانت أيضا نقطة تحوّل. فقد أظهرت أن الاقتصاد الكويتي يمتلك أساسا قويا، لكنه يحتاج إلى إعادة تشكيل ليكون أكثر تنوعا ومرونة. ومع توافر الموارد المالية، والإرادة السياسية، وقطاع خاص نشط، تبدو الكويت اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع يقوده الاستثمار والابتكار.

لذلك فالدرس الأهم الذي خرجت به الكويت من الأزمة واضح الصمود ليس الهدف بل نقطة الانطلاق نحو الرخاء والإزدهار بمقومات جديدة ومستدامة.

2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF

المراحع:

 

(Visited 61 times )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث

صالح أحمد عاشور


المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

المدرسة الشيرازية وخطاب التعايش والتمسك بالقيم في الخليج

الكويت، 11 أغسطس 2023 (csrgulf):تراجع النفوذ الإيراني بين الأوساط الشيعية في دول الخليج[1]. حيث واجه النظام صعوبة زيادة استقطاب موالين له ولنظرية ولاية الفقيه المطلقة. فبسبب فشل خيارات قيادة النظام في ...

تصنيف العربيات الأكثر عنوسة في 2021

تصنيف العربيات الأكثر عنوسة في 2021

–         وباء كورونا يفاقم نسبة العنوسة والعزوبية بين العرب –         العنوسة تلتهم ملايين العربيات &ndas ...

الجزء الأول: فروع الاخوان المسلمين تحت المجهر

الجزء الأول: فروع الاخوان المسلمين تحت المجهر

تحليل/ملخص تنفيذي:   من العمل الخيري والجمعياتي إلى التنظيم السياسي إلى شبكة عابرة للحدود، إلى السلطة، لينتهي بها المطاف لتنصيف بعض فروعها في مرمى الادانة بالإرهاب، أو وضعها تحت المراقبة ...

التلوث البحري تهديد متصاعد للصحة والسياحة في الكويت

التلوث البحري تهديد متصاعد للصحة والسياحة في الكويت

–        الكويتيون يواجهون خطرا بيئياً مصدره البحار –         الكويتيون قد لا يجدون شواطئ صالحة للسباحة مستقبلاً –   &nb ...

مجاعة تتهدد العرب في المستقبل بسبب نقص الغذاء

مجاعة تتهدد العرب في المستقبل بسبب نقص الغذاء

  –        100 مليون عربي قد لا يجدون طعاماً في 2030 –        الجوع محرك ثورات العرب في المستقبل –  ...