25 مايو 2026 (csrgulf): يضيق الخناق على جماعة الإخوان المسلمين اليوم أكثر من أي وقت مضى. الولايات المتحدة وأوروبا تشهدان تصاعداً غير مسبوق في الضغوط السياسية والبرلمانية لتوسيع الحرب القانونية والأمنية ضد الجماعة، وسط تحولات كبرى في النظرة الغربية إلى الإسلام السياسي بعد هجمات 7 أكتوبر، وتصاعد نفوذ اليمين المحافظ والشعبوي داخل البرلمانات الغربية.
في هذا الجزء الثاني، بعد عرض الجزء الأول بعنوان: الجزء الأول: فروع الاخوان المسلمين تحت المجهر، نعرض التحديات التي تواجه عمل ونشاط احدى أقدم الحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية في العالم العربي. فبعد سنوات من الانقسام داخل المؤسسات الغربية حول كيفية التعامل مع الجماعة، باتت دوائر واسعة داخل الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي تعتبر الإخوان "شبكة عابرة للحدود" تمثل تهديداً أمنياً وأيديولوجياً طويل المدى، حتى وإن اختلفت فروعها من دولة إلى أخرى.
وفي تطور لافت، صنّفت الولايات المتحدة في يناير 2026 فروعاً من جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان وأخيرا في السودان، ضمن قوائم الكيانات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص (SDGT)، مع وضع بقية الفروع تحت الرقابة، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على انتقال واشنطن من مرحلة النقاش النظري إلى سياسة الاستهداف التدريجي للفروع الإقليمية للجماعة.
الكونغرس الأميركي يتحرك نحو تصنيف شامل
بالتوازي مع هذه الإجراءات، تشهد الدورة 119 للكونغرس الأميركي زخماً تشريعياً واسعاً لدفع الإدارة الأميركية نحو تصنيف جماعة الإخوان المسلمين بالكامل كـ"منظمة إرهابية أجنبية"(FTO)
ومن أبرز مشاريع القوانين المطروحة:
- مشروع قانون S.2293 المعروف باسم "قانون تصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية 2025"، والذي تقدم في مجلس الشيوخ بعد إحالته من لجنة العلاقات الخارجية.
- مشروعا القانون H.R.3883 وH.R.4397 داخل مجلس النواب الأميركي، واللذان يهدفان إلى إلزام الإدارة الأميركية باتخاذ خطوات قانونية نحو التصنيف الشامل.
ويعكس هذا التحرك تنامي قناعة داخل التيار الجمهوري المحافظ بأن جماعة الإخوان لم تعد مجرد حركة سياسية إسلامية تقليدية، بل "المظلة الفكرية" التي خرجت منها تنظيمات أكثر تشدداً مثل حماس وبعض التيارات الجهادية العابرة للحدود.
جلسات الكونغرس: الإخوان "بوابة نحو التطرف"
هذه الرؤية ليست جديدة داخل واشنطن، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً بعد جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس الأميركي منذ 2018 حول ما وصف بـ"التهديد العالمي للإخوان المسلمين".
وخلال تلك الجلسات، اعتبر الباحث الأميركي جوناثان شانزر من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن جماعة الإخوان تمثل "بوابة نحو التطرف والجهادية"، مشيراً إلى أن فكر الجماعة لعب دوراً في إنتاج بيئات أيديولوجية خرجت منها تنظيمات مثل القاعدة وداعش.
أما الباحث هليل فرادكين من معهد هدسون فاعتبر أن الجماعة تحمل مشروعاً سياسياً عالمياً منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928، وأنها تنظر إلى نفسها كحركة تتجاوز الدولة الوطنية الحديثة نحو مشروع إسلامي عابر للحدود.
الجلسات نفسها كشفت أيضاً عن الانقسام داخل المؤسسة الأميركية بين من يرى الإخوان تنظيماً أيديولوجياً خطيراً، وبين من يحذر من الخلط بين الإسلام السياسي والعمل الإرهابي المسلح.
لكن لماذا يصعب تصنيف الإخوان بالكامل كمنظمة إرهابية داخل أميركا؟
رغم هذا التصعيد، ما زالت المؤسسات القانونية والأمنية الأميركية تواجه تحديات كبيرة أمام تصنيف الجماعة بالكامل كمنظمة إرهابية.
فالولايات المتحدة تعتمد معايير قانونية صارمة لتصنيف الكيانات الأجنبية، أهمها إثبات التورط المباشر في الإرهاب أو تمويله أو دعم عمليات عنيفة ضد المصالح الأميركية.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية:
جماعة الإخوان ليست تنظيماً مركزياً موحداً مثل القاعدة أو داعش، بل شبكة واسعة من الحركات والأحزاب والجمعيات التي تختلف من بلد إلى آخر.ففي بعض الدول، تشارك أحزاب محسوبة على الإخوان في العملية السياسية والبرلمانية، كما حدث مع حزب العدالة والتنمية في المغرب أو حركة النهضة في تونس، بينما توجد فروع أخرى متهمة بالعنف أو بدعم جماعات مسلحة.
ولهذا أوصى بعض الخبراء الأميركيين خلال جلسات الكونغرس بالتركيز على “التصنيف الجزئي” للفروع المتهمة بالعنف بدلاً من محاولة تصنيف الحركة كلها دفعة واحدة.
أوروبا تتحرك بدورها وفرنسا تقود التصعيد
في أوروبا، يتصاعد الملف بوتيرة متسارعة أيضاً، خصوصاً مع صعود أحزاب اليمين القومي والمحافظ في فرنسا وإيطاليا وهولندا والنمسا.
وأثار تقرير استخباراتي فرنسي صدر في مايو 2025 بعنوان"الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا"، موجة قلق واسعة داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما حذر من توسع الشبكات المرتبطة بالإخوان داخل المجتمعات الأوروبية، بما في ذلك المراكز الإسلامية والجمعيات الدعوية.
هذا التقرير دفع البرلمان الفرنسي إلى تبني قرار يدعو المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي إلى دراسة إمكانية إدراج جماعة الإخوان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأوروبية. وأيضا تشديد الرقابة على التمويلات المرتبطة بالشبكات الإسلامية السياسية، واعتبار "الانفصالية الإسلامية السياسية" تهديداً للنظام الدستوري الأوروبي.
وفي مارس 2026، تقدم نواب من كتلة "الوطنيون من أجل أوروبا" داخل البرلمان الأوروبي بسؤال رسمي إلى المفوضية الأوروبية حول إمكانية إطلاق إجراءات قانونية لإدراج جماعة الإخوان وقادتها ضمن قائمة الإرهاب الأوروبية.
وجاء في السؤال البرلماني أن الجماعة: "تعزز انفصالية سياسية ودينية تقوض السيادة والنظام الدستوري الأوروبي"، وأن شبكاتها ممتدة داخل دول الاتحاد عبر المراكز الإسلامية وبعض الأئمة والجمعيات.
تركيا وقطر في قلب الجدل الغربي
جزء مهم من النقاش الأميركي والأوروبي يتركز أيضاً على العلاقة بين بعض الرموز أو العناصر المحسوبة على الإخوان وكل من تركيا وقطر، حيث يقيم البعض فيهما.
فخبراء أميركيون وجهوا انتقادات سابقة خلال جلسات الكونغرس بتوفير منصات إعلامية وسياسية ومالية لشخصيات وفصائل مرتبطة بالإخوان بعد سقوط حكم محمد مرسي في مصر عام 2013.
كما يرى بعض المحافظين الغربيين أن تركيا، خصوصاً في عهد رجب طيب أردوغان، أصبحت مركزاً رئيسياً لنشاط الجماعة الإعلامي والسياسي في المنفى.
هل ينجح الغرب فعلاً في تصنيف جميع فروع الإخوان؟
حتى الآن، يبدو أن السيناريو الأقرب هو استمرار "التصنيف الانتقائي" لفروع محددة، بدلاً من إعلان جماعة الإخوان العالمية كلها تنظيماً إرهابياً دفعة واحدة.
لكن التحول اللافت يتمثل في أن فكرة التصنيف، التي كانت قبل سنوات تعتبر هامشية أو مستبعدة داخل الغرب، أصبحت اليوم تناقش بشكل رسمي داخل الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي، وتحظى بدعم متزايد من التيارات اليمينية المحافظة.
وهذا يعكس تغيراً عميقاً في المزاج السياسي الغربي بعد سنوات من الإرهاب العابر للحدود، وصعود الشعبوية، وأزمات الهجرة، والتوترات المرتبطة بالهوية والدين داخل المجتمعات الأوروبية.
وفي النهاية، تبدو معركة تصنيف الإخوان اليوم جزءاً من صراع أوسع بكثير: صراع حول حدود الإسلام السياسي، ومستقبل التعددية الدينية، وشكل العلاقة بين الغرب والحركات الإسلامية في مرحلة عالمية تتجه أكثر نحو الأمن والهويات القومية والرقابة على الشبكات العابرة للحدود.
2026 © مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث CSRGULF
المراحع:













